عبد الملك الجويني

58

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد

والذي يجب القطع به ، أن المسموع المدرك في وقتنا الأصوات ؛ فإذا سمي كلام اللّه تعالى مسموعا ، فالمعنيّ به كونه مفهوما معلوما ، عن أصوات مدركة ومسموعة . والشاهد لذلك من القضايا الشرعية إجماع الأمة على أن الربّ تعالى خصص موسى ، وغيره من المصطفين من الإنس والملائكة ، بأن أسمعهم كلامه العزيز من غير واسطة . فلو كان السامع لقراءة القارئ مدركا لنفس كلام اللّه تعالى ، لما كان موسى صلوات اللّه عليه مخصصا بالتكليم ، وإدراك كلام اللّه من غير تبليغ مبلغ وإنهاء مرسل . فصل كلام اللّه تعالى منزّل على الأنبياء ، وقد دلّ على ذلك ، آي كثيرة من الكتاب اللّه تعالى . ثم ليس المعنى بالإنزال حط شيء من علوّ إلى سفل ؛ فإن الإنزال بمعنى الانتقال ، يتخصص بالأجسام والأجرام . ومن اعتقد قدم كلام اللّه تعالى ، وقيامه بنفس الباري سبحانه وتعالى ، واستحالة مزايلته للموصوف به ، فلا يستريب في إحالة الانتقال عليه . ومن اعتقد حدث الكلام ، وصار إلى أنه عرض من الأعراض ، فلا يسوغ على معتقده أيضا تقدير الانتقال ، إذ العرض لا يزول ولا ينتقل . فالمعنيّ بالإنزال ، أن جبريل صلوات اللّه عليه أدرك كلام اللّه تعالى وهو في مقامه فوق سبع سماوات ، ثم نزل إلى الأرض ، فأفهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام . وإذا قال القائل : نزلت رسالة الملك إلى القصر ، لم يرد بذلك انتقال أصواته ، أو انتقال كلامه القائم بنفسه . فصل كلام اللّه تعالى واحد ، وهو متعلق بجميع متعلقاته ، وكذلك القول في سائر صفاته . وهو العالم بجميع المعلومات بعلم واحد ، والقادر على جميع المقدورات بقدرة واحدة . وكذلك القول في الحياة والسمع والبصر والإرادة . والقضاء باتحاد الصفات ليس من مدارك العقول ، بل هو مسند إلى قضية الشرع وموجب السمع . وذلك أن إثبات العلم واحد مختلف فيه ، وإنما يتوصل إلى إثباته على منكريه بالأدلة العقلية ، وهذا في العلم الواحد . فأما تقدير علم ثان ، فلم يثبته أحد من أهل الكلام المنتمين إلى الإسلام ، فنفيه مجمع عليه مع اتصافه بالقدم .